/ الفَائِدَةُ : (170) /

26/12/2025



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / ( الْمُحَدَّث) أَحَد المقامات الاِعْتِقَادِيَّة / هناك قضيَّة واردة في أَبواب الْمَعَارِف مُهِمَّة جِدّاً ، يَنْبَغِي صَرْف النَّظَرِ إِليها والْاِطِّلَاع عليها ، حاصلها : أَنَّ مَنْ يُراجع كُتُب عِلْم كلام مذاهب المخالفين فسيجد أَنَّها لم تتعرَّض لمقام وموقع : (الْمُحَدَّث) و(الْمُلْهَم) ، لكن : مَنْ يُراجع كُتُب حديثهم وكُتُب مُحدِّثيهم وشُرَّاح : البخاري ومسلم وسائر صحاحهم فسيجد أَنَّهم يعتقدون ويؤمنون بهما ، وأَنَّهما من مقامات الشَّريعة ، بل من الأُمور المُبدَّهة عندهم . وهذا مُؤشِّر على أَنَّ ما كُتِبَ ورُقِّم في كُتُب كلام المخالفين لا يُمثِّل جملة منظومة عقائدهم ؛ الثابتة في أَحاديثهم وتفاسيرهم . فالتفت . اذن : من الأُمور الضَّرورية عند مُحدِّثي ومُفسِّري الفريقين ، منهم : أَصحاب الصَّحاح الستَّة وابن حجر العسقلاني في شرح الباري وما يعتقدون به : عدم صحَّة دعوىٰ حصر المقامات الإِعتقاديَّة بالرَّسول والنَّبي ، بل هناك مقام إِلَهِيٌّ آخر ، وهو (المُحَدَّث). لكن : مَنْ يُطَالِع كُتُب المخالفين الكلاميَّة فسيجد أَنَّهم حصروا المقامات الْإِلَهِيَّة الاعتقاديَّة بالرسول والنَّبيّ . وَمِنْ ثَمَّ ذهب الطَّبري ـ في كتاب (الجامع لأَحكام القرآن)(1)ـ في تفسير قوله تعالىٰ : [وَإِذْ قَالَتِ الْـمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ](2)إِلى نبوَّة مريم عَلَيْها السَّلاَمُ ، ونصّ عبارته : « فقد قيل : إِنَّ الكمال المذكور في الحديث ـ أَي : « كَمُلَ من الرّجال كثير ، ولم يَكْمُل من النِّساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ...» ـ يعني به النُّبوَّة ، فيلزم عليه أَنْ تكون مريم عَلَيْها السَّلاَمُ وآسية نبيَّتين ، وقد قيل بذلك ، والصَّحيح : أَنَّ مريم نبيَّة ؛ لأَنَّ اللّٰـه تعالىٰ أَوحىٰ إِليها بواسطة الملك كما أَوحىٰ إِلى سائر النَّبيِّين ...». وهي كما ترىٰ ظاهر التَّكليف ، بيِّنة التَّوليد ، تخطب على نفسها أَنَّها على غير أَصلٍ فنِّيٍّ ، وقاعدة صناعيَّة ؛ فلا تنفي الحقيقة ولا تُعتِّم عليها ، وتكون لهجة خدعة للعقل منها نبوَّة . والحقُّ : أَنَّ مريم عَلَيْها السَّلاَمُ مُحَدَّثة ، وفاطمة (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها) سيِّدتها ، وَأَكبر المُحَدَّثين. ومن كلِّ هذا يتَّضح : أَنَّ الباحث إِذا بنىٰ خريطة بحوثه المعرفيَّة والعقائديَّة على ما رَقَّمه المُتكلِّمون فسيرتطم لا محالة بمآزق معرفيَّة وعقائديَّة كثيرة جِدّاً ؛ لأَنَّ الخريطة والفهرسة المعرفيَّة والعقائديَّة الَّتي رسمها جملة من علماء كلام الإِماميَّة ؛ وساروا عليها نشئت نتيجة اِنْشِغَالهم بالجدل والحوار الكلامي مع المذاهب الإِسلاميَّة ، فألجأتهم هذه الحواريَّات الَّتي لا انقطاع لها إِلى نوع تبويب ؛ ورسم خارطة للمعارف والعقائد الإِلٰهيَّة ؛ يفهمها ويلتفت إِليها الطرف الآخر . ومعناه : أَنَّهم اضطروا إِلى تنزيل الخطاب الكلامي والخطاب العقائدي إِلى مستوىٰ معارف وعقائد الطرف ، مع أَنَّه ليس لديه من الإِسلام إِلَّا استقبال الكعبة قَطُّ . وهذا ما صرَّحت به بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الصَّادق صلوات اللّٰـه عليه : « ... لا واللّٰـه ، ما هم على شيءٍ مِـمَّا جاء به رسول اللّٰـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَّا استقبال الكعبة فقط»(3). وعليه : فكيف يمكن رسم خارطة وثقافة للمعارف والعقائد الحقَّة المُصْحَرَة في بيانات الوحي الإِلٰهي على وفق هذه الوضعيَّة التجاذبيَّة الكلاميَّة ؛ وإِلَّا فستحصل لا محالة لأَصحاب هذه الخرائط والثقافات مشاكل وأَزمات معرفيَّة وعقائديَّة لا حصر ولا منتهىٰ لها. بل سبَّبت وتُسبِّب هذه المنهجيَّة وهذه الثقافات طامَّات معرفيَّة وعقائديَّة أَشدُّ خطراً وضرراً وفتكاً بأَهل البيت صلوات اللّٰـه عليهم من خطر وضرر وفتك يزيد بن معاوية وجيشه (عليهم لعائن اللّٰـه) وما فعلوه بسيِّد الشهداء صلوات اللّٰـه عليه وبأَهل بيته وصحبه ؛ لأَنَّ تلك قتلت الأَبدان ، وحرمت أَصحابها الحياة الدُّنيويَّة الزائلة ، بخلاف هذه ؛ فإِنَّها تقتل : أَرواح أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ وعلومهم وعقائدهم ومعارفهم ، وتحرم أَتباعهم ، بل جملة البشريَّة ، بل طُرّ المخلوقات الحياة الأُخرويَّة الأَبديَّة ، ومن ثَمَّ لا قياس بين الخطرين والضَّررين والفتكين . وكانت هذه القضيَّة هي السبب في إِعراض أَو غفلة مُتكلِّمي الإِماميَّة ؛ وأَصحاب العقائد والمعارف عن كثير من أَبواب وأَبحاث العقائد والمعارف الثابتة في بيانات الوحي الوافرة الباهرة. وعلى هذا قس : علم الفلسفة ؛ فإِنَّ تبويبه وفهرسته ورسم خارطته جرت على وفق نتاج بشري ، بل اعترف أَصحابها(4) بذلك ؛ فقالوا : إِنَّ الفلسفة تعني : معرفة حقائق الأَشياء بقدر الطَّاقة البشريَّة. وبين المعرفة على قدر الطاقة البشريَّة ؛ والَّتي مهما علت لا بُدَّ أَنْ تكون محدودة ومتناهية ، وبين المعرفة على وفق طاقة الوحي غير المتناهية وغير المحدودة فارق من دون قياس ؛ فإِنَّ الثابت في محلِّه أَنَّه لا توجد نسبة رياضيَّة بين المحدود وغير المحدودة ، فإِنَّه مهما علت ووُضِعَت للمحدود من قيمٍ وأَرقامٍ إِذا قيس لغير المحدود لا بُدَّ أَنْ تكون قيمة المحدود صفراً على جهة الشمال ؛ وإِلَّا ـ أَي : إِذا جُعِلَ للمحدود قيمة وإِنْ كانت ضئيلة جدّاً كالواحد مقابل الترليون ـ لانقلبت ماهيَّة غير المتناهي وغير المحدود وصارت متناهية ومحدودة ، وبطلان اِنقلاب الماهيَّة ، بل واستحالتها من الواضحات ، بل خلف الفرض أَيضاً. ومِنْ ثَمَّ التبويبات الجارية في عِلْمِ الفلسفة ـ سوآء كانت فلسفة : مشآء أَو إِشراق أَو حكمة متعالية ، أَو فلسفات غربيَّة حديثة ، أَو فلسفات أَلسنيَّة ، أَو فلسفات الهرمونطيقيا (الهرمونتيكيا) التعدديَّة ، أَو فلسفات الكلام الجديد ـ وحبس المباحث المعرفيَّة والعقائديَّة ؛ وحشر مواد الوحي في هذه التبويبات البشريَّة كارثة علميَّة . وليس في هذا التعبير رجزٌ حماسيٌّ ، بل بكُلِّ هدوءٍ وبكُلِّ قناعةٍ أَنَّه : كارثة علميَّة ومعرفيَّة وعقائديَّة. وهذه القضيَّة لاَبُدَّ من التَّنَبُّه إِليها والتَّنبيه عليها ؛ فإِنَّ أَصل الفهرسة في عِلْمِ : (الفقه) و(الأُصول) و(الكلام) و(الفلسفة) و(التفسير) و(العرفان) وغيرها ، بل وفي أَيِّ أَيدلوجيَّة حديثة أَو قديمة نتاج بشريّ محدود ، وتبويباتها لا تشمل عَالَم الحقيقة غير المتناهية ، ولا تتَّسع لِـمَا هو موجود في تراث الوحي أَبداً ، بل قوالب وبنود أَبواب معارف وعقائد النتاج البشري في عِلْمِ : (الكلام) و(الفلسفة) و(العرفان) و(التفسير) تختلف عن قوالب وبنود بيانات الوحي ، ومن ثَمَّ يُحاول الكثير من الباحثين في المعارف والعقائد لَيِّ أَعناق العبائر والقوالب الوحيانيَّة ذات السعة والقوَّة والمتانة والرَّصانة غيرالمتناهيَّة ؛ ليستبدلها أَو يحشرها في قوالب النتاج البشري ؛ الهزيلة والهشَّة والضَّيِّقة . وبالجملة : أَنَّ الأُطر والقوالب الَّتي ينبغي أَنْ يُسبح بها في عَالَم المعاني غير المتناهية ، واستكشاف الحقائق العيانيَّة غير المحدودة : أُطر وقوالب وحيانيَّة ، وهي تختلف عن أُطر البشر ؛ فإِنَّ قوالب المعاني الوحيانيَّة أُطر تكوينيَّة غير متناهية ، تُباين قدرة أُطر وقوالب المعاني البشريَّة وسعتها ودقَّتها ، فإِنَّها إِعتباريَّة متناهية . وهذه قضيَّة بالغة الأَهميَّة والثمرة والخطورة . فالتفت تربت يداك. وإِلى هذا تُشِير بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان قوله (جَلَّ وَتَقَدَّسَ) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ](5) . 2ـ بيان قوله (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ](6). ودلالتهما واضحة. والإِضطرار يجرُّنا للتوسُّع في هذه القضيَّة ؛ لنبيِّن كيفيَّة بُعد الثقافة الإِسلاميَّة المُنتشرة بين المؤمنين فضلاً عن المسلمين عن حقيقة معارف وعقائد وثقافة الوحي الأَصيلة والوسيعة والشفَّافة . بل أَحياناً يكون النتاج المعرفي والعقائدي البشري حجاباً ومانعاً عن الوصول إِلى سعة الحقيقة . نعم الشبهات والإِثارات على النتاج البشري تُنبِّه الإِنسان إلى أَنَّ النتاج الوحياني شيء آخر غير النتاج البشري. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الجامع لأَحكام القرآن ، ج٤: ٨٢ . (2) آل عمران : 42 . (3) بحار الأَنوار، 65: 91/ح26. المحاسن: 156. (4) مرجع الضمير : (الفلسفة). (5) لقمان : 27. (6) النحل : 96